عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

434

اللباب في علوم الكتاب

حتى يتأكّد الاعتقاد ، وتزول الشبهة ، فأجابهم أنا قد أيدنا قول محمد صلّى اللّه عليه وسلم بالمعجزات ، وبالآيات وهي القرآن ، وسائر المعجزات ، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنّت ، فلم يجب إجابتها لوجوه : أحدها : أنه إذا حصلت الدلالة الواحدة ، فقد تمكّن المكلف من الوصول إلى المطلوب ، فلو كان غرضه طلب الحق لاكتفى بتلك الدلالة ، فحيث لم يكتف بها ، وطلب الزائد عليها علمنا أن ذلك من باب العناد ، ويدل له قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ [ العنكبوت : 51 ] . وثانيها : لو كان في [ علم اللّه تبارك وتعالى ] « 1 » أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآية لفعلها ، ولكنه علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لما ازدادوا إلا لجاجا فلا جرم لم يفعل ذلك ، ولذلك قال تعالى : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [ الأنفال : 23 ] . وثالثها : إنه ربما كان كثرتها وتعاقبها يقدح في كونها معجزة ؛ لأن الخوارق متى توالت صار انخراق العادة عادة ، فحينئذ يخرج عن كونه معجزا . وأما قوله تعالى : « تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ » [ فالمراد أن المكذبين للرسل تتشابه أقوالهم وأفعالهم ] « 2 » ، فكما أن قوم موسى ، [ كانوا أبدا في التعنت واقتراح ] « 3 » الأباطيل ، كقولهم : لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ [ البقرة : 61 ] وقولهم : اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [ الأعراف : 138 ] وقولهم : أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً [ البقرة : 67 ] وقولهم : أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [ النساء : 152 ] ، فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبدا في العناد واللّجاج ، وطلب الباطل . قوله : « قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ » يعني القرآن وغيره من المعجزات كمجيء الشجرة ، وكلام الذّئب ، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ، آيات قاهرة ، ومعجزات باهرة لمن كان طالبا لليقين . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 119 ] إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ ( 119 ) اعلم أن القوم لما أصرّوا على العناد واللّجاج الباطل ، واقترحوا المعجزات على سبيل التعنت بيّن اللّه - تعالى - لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم أنه لا مزيد على ما فعله في مصالح دينهم من إظهار الأدلة . قوله : « بِالْحَقِّ » يجوز فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون مفعولا به ، أي : بسبب إقامة الحق .

--> ( 1 ) في ب : معلوم . ( 2 ) في أ : أي تشابه أقوالهم وأفعالهم . ( 3 ) في أ : تعنتوا واقترحوا .